ابن حزم

9

رسائل ابن حزم الأندلسي

ولا للآخرة علم الشعر والشغل به » « 1 » ، ولهذه الأقوال نظائر تسبقها زمنيا وتتلوها ، والمراد منها في هذا المقام أن تكون مثالا على تجاهل أصحابها للنزعة الشمولية في التقسيم والتفريع ، أو عجزهم عن التمرس بالنظرة الشمولية في هذا المجال ، فالشيء المستقر في نفوسهم هو أن هناك معارف تتصل بالشريعة ، وهذه المعارف ضرورية ، وأما ما كان خارج ذلك من معارف فهم يختارون منها ما يناسب ( كالطب مثلا ) ويهملون كلّ ما عداه لأنه لا تحكمهم رغبة في الاستقصاء والتصنيف . وثاني هذين المجالين هو الردّ على تعصّب الفرد للصنعة التي يحسنها أو ما يمكن أن يسمى « غرور المعرفة القليلة » ، وكانت صورة هذا كله تمثّل صراعا بين فضل الأدب - بمعناه الواسع - وفضل العلم بمعناه الشمولي أيضا ، وخير ما يصوّر هذا الموقف حكاية ذكرها الرازي الطبيب في كتاب الطب الروحاني « 2 » ؛ قال : « ولقد شهدت ذات يوم رجلا من متحذلقيهم ( يعني الأدباء ) عند بعض مشايخنا بمدينة السلام ، وكان لهذا الشيخ مع فلسفته حظّ وافر من المعرفة بالنحو واللغة والشعر ، وهو يجاريه وينشده ويبذخ ويشمخ في كل خلال ذلك بأنفه ويطنب ويبالغ في مدح أهل صناعته ويرذل من سواهم ، والشيخ في كل ذلك يحتمله معرفة منه بجهله وعجبه ويتبسّم إليّ ، إلى أن قال فيما قال : هذا واللّه العلم وما سواه ريح ، فقال له الشيخ : يا بني هذا علم من لا علم له . ويفرح به من لا عقل له ، ثم أقبل علي وقال : سل فتانا هذا عن شيء من مبادئ العلوم الاضطرارية ، فإنه ممن يرى أن من مهر في اللغة يمكنه الجواب عن جميع ما يسأل عنه ، فقلت : خبّرني عن العلوم : اضطرارية هي أم اصطلاحية ، ولم أتمم التقسيم على تعمّد ، فبادر فقال : العلوم كلها اصطلاحية . . . فقلت له : فمن علم أنّ القمر ينكسف ليلة كذا وكذا وأنّ السقمونيا يطلق البطن متى أخذ . . . إنما صحّ له علم ذلك من اصطلاح الناس عليه ؟ قال : لا ، قلت : فمن أين علم ذلك ؟ فلم يكن فيه من الفضل ما يبين عما به نحوت ؛ ثم قال : فإني أقول إنها كلها اضطرارية ، ظنّا منه وحسبانا أنه يتهيّأ له أن يدرج النحو في العلوم الاضطرارية ، فقلت له : خبّرني عمن علم أنّ المنادى بالنداء المفرد مرفوع وأنّ المنادى بالنداء المضاف منصوب ، أعلم أمرا اضطراريا طبيعيا أم شيئا مصطلحا عليه باجتماع عليه من بعض الناس دون بعض ؟ فلجلج بأشياء يروم أن يثبت

--> ( 1 ) جامع بيان العلم وفضله 2 : 49 - 50 . ( 2 ) رسائل فلسفية للرازي 1 : 43 .